السبت، 27 يوليو 2019

سفر ممتع في دروب تاريخ منطقتنا أزرو ن باكا أو"أجدجيذ باكا".. بقلم : ذ. محمد لخواجة



بقلم : ذ. محمد لخواجة

تأتي رحلة " ملتقى انحناحن الثاني " الى أزرو ن باكا " في بعدها الترفيهي، لمحاولة كشف الغطاء عن جوانب من تاريخ ضارب في القدم ، لعل ابحاثا اركيولوجية و تاريخية و طوبونيمية ، و لما لا ميثيولوجية تساهم في كشف ملامح من ماض بعيد لاعالي " شوين " و محيطها القريب ، و البعيد، في جميع الاتجاهات ، في اقترانها بتاريخ المغرب ، و شمال افريقيا و الحوض الغربي للبحر المتوسط الغني بموروثه التاريخي الضارب في القدم .


ما دلالة التسمية " باكا " ؟ الإسم قريب جدا من " الباكوات " إحدى قبائل المغرب الكبرى في القرون الأولى من التاريخ الميلادي . هذه القبيلة برزت بوضوح و هي تحارب بشراسة الإمبراطورية الرومانية . و قد هزت كيانها لفترة طويلة في الشمال الغربي لموريطانيا الطنجية . و أهم ما يؤرخ لحربها ضد الرومان هي النقائش العديدة التي اكتشفت في وليلي . و قد اسفرت هذه الحرب عن تراجع الجيش الروماني إلى العرائش، نتيجة ما ألحق به من ضربات موجعة، حوالي 285م .

و الاسم "باكا " كان يحمله أول ملك أمازيغي على موريطانيا الطنجية . و قد تربع على هذه المملكة في سنة 225 ق.م.، و عاصر الملكين " سيفاقس " و " ماسنيسا " الحاكمين تباعا لنوميديا الغربية و نوميديا الشرقية و اشهر ما عرف عن الملك " باكا " ، هو تحالفه مع " ماسنيسا " في شقين : الأول حين قام بخفره و هو عائد من اسبانيا إلى جانب جيشه ، ليمر بمملكة " سيفاقس " الذي كان يعاديه ، إلى أن أوصله إلى عاصمته " سيرتا " ( قسنطينة ) . خفره بقوة مسلحة بلغ تعدادها 4000 جندي . و في نفس الوقت كان يتحالف إلى جانب ماسنيسا مرة مع القرطاجيين و أخرى مع الرومان ، و هذا هو الشق الثاني من التحالف.

و لا شك ان اسم " باكا " هو ما أعطى اسم الباكــــاوات ، لأن هذه التسمية لم تظهر إلا بعد المــــــــلك " باكا " .
الباكاوات ، امتد وجودهم على مساحة عريضة و طويلة ، في الشمال الشرقي للمغرب ، في ابعد اتساعه. كان الامتداد يشمل، في بعض الفترات نواحي سلا عبر وليلي، بعد أن الحقوا الضربات تلو الضربات بالرومان . و مع توالي الحروب، بين كبريات القبائل و الوندال و معهم الجيوش الإسلامية فيما بعد ، و انتشار نفوذ امارة نكور سوف يختفي اسم الباكاوات ويشمل بعد انكماشه قبيلة " ابقوين " اليوم .

و تصبح تسمية " باكاوات " هي " ابقوين " .و كيف تطور لفظ باكاوات إلى ابقوين أو العكس ؟ هذا ما يحتاج إلى بحث خاص ، و هو ما نحن بصدد الخوض فيه ...
وما علاقة كل هذا بجبل " أزرو ن باكا " ؟
الملك باكا كان حاضرا في المنطقة الممتدة من المحيط إلى ملوية، و امتد حكمه إلى سوس ، و كانت عاصمته " تامودا " . وهناك من يقدمه كبانيها. و من المدن التي كانت تابعة له ، نذكر باناصا، وليلي ، سلا... و هناك إشارة إلى أن سلا كانت عاصمة له . و لا غرابة في الأمر ، لأنه سيلاحظ ، فيما بعد ، أن بعض الملوك الأمازيغ كانوا يتخذون عدة مدن عواصم لهم في نفس الوقت . لا شك أن الأمر يعود إلى ضمان الاستقرار في كل ربوع المملكة ، بالاتصال المباشرو المتواتر مع المواطنين .

و نظرا لتحالفاته مع ماسينيسا ، فقد استقر في معظم أوقاته بمنطقة الريف الحالية ، علما أن نوميديا أو موريطانيا القيصرية بشرقها و غربها جعلته يتخذ من الجهة الشمالية الشرقية للمغرب موقعا لتواجده لظروف جيوسياسية .
وماهي الدلالات التي تبعث على فهم هذه المعطيات؟
هناك العديد من المؤشرات ، و لوان أمرها لا يبدو قريبا من الاستيعاب كوجود بعض المدن القديمة التي تدل عليها بعض الاثار إلى اليوم . و قد ازدهرت لفترات طويلة ، اوشاع امرها، نذكر منها :
1- مدينة نكور التي يعود تاريخ بنائها إلى 1000 سنة قبل الميلاد .
2- جنوب الريف الأوسط ، حيث توجد بقايا مدينة قديمة ببلدة " الكوزات " على مقربة من " تايناست " بإقليم تازة حاليا .
3- سكوما ( سجوما ) القلعة / المدينة التي دمرها أبناء عقبة بن نافع ، و فتكوا بساكنتـها ، حوالي 703م ، بايعاز من موسى بن نصير ، بعد أن دلهم على مواقع أبناء كسيله و أنصاره الذي قتلوا أباهم عقبة . المدينة عرفت بوجودها شمال فاس حاليا غير بعيدة كثيرا عنها ... بالإضافة إلى أن بلاد نكور الممتدة منذ القدم من جبال " شوين " ، حيث يتموقع جبل " أزرو ن باكا "، إلى البحر الأبيض المتوسط ، و التي تعد دعامة امارة نكور منذ نشأتها حوالي سنة 710م .
لا ننسى أن تنقلات الجيوش و غيرها كانت تتخذ من جنبات مجرى نهر إيناون أو شماله أحيانا ، معبرا بين الشرق و الغرب . و قد ظل هذا الممر المقترن بتازة أحد المنافذ الاستراتيجية بين غرب المغرب و شرقه في اتجاه الجزائر .

و ما يفيد في أن يكون جبل " ازرو ن باكا " حاضرا في هذا الاعتبار ، مؤهلات هذه الجهة المتمثلة في قربها من أقصى المنطقة الشمالية الغربية ، حيث تتواجد معظم المدن التاريخية التي تعود إلى العصور القديمة ، مثل طنجة ، سبتة ، تامودا ، أصيـلا ، العرائش ، و جنوبا نجـــد غيغا ، تاموسيذا ، بناصا ، وليلي، سلا .

ولا شك ان ممر تازة الذي كان يغري الشعوب القديمة، كان يستعاض عنه أحيانا بتجنبه بالاتجاه شمالا في ممر مواز يحاذي إلى حد ما السفوح الجنوبية لجبال الريف .

وأن يحمل الجبل هذا الاسم، ما هو إلا تأكيد لاقتران أسماء الجبال أحيانا بأسماء عظماء الاقوام .ففي الأطلس المتوسط هناك : جبل " موسى او صالح "، و في الأطلس الكبير هناك جبـــــل العياشي ، و في الريف ، يوجد ازرو ن باكا منذ أقدم العصور ، و غير بعيد في الضفة الأخرى شمالا هناك جبل طارق ...

و لاضافة نوع من الحضور، و لو في زمن جد متأخر ، وسط المنطقة هذه ، كمعبر في أقل الحالات ، هناك " ثامزييذا ن رقموذ" التي يؤرخ لبنائها بالعهد المريني .

بدون شك، فالمناطق التي تشملها بعض المعالم التاريخية القديمة ، لم تأت صدفة ، بل تعود لمؤثرات متعددة ، لم يتم الكشف عنها بعد . فالدراسات الأركيولوجية غائبة في هذه الجهات ، و قد نضيف شبه انغلاقها أو الحرص على الاستقلال الذي امتد على طول حقب زمنية طويلة ... فالتاريخ يتحفنا برفض تسرب النفوذ الاموي إليها . كان في البدء توصية من حسان بن النعمان لصالح بن منصور، الذي خبر سعي الولاة إلى تكريس الاستغلال الفاحش للساكنة إرضاء لاطماعهم ، و ذويهم ، و أطماع والي مصر ، و الامراء ، و الخلفاء بدمشق . لقد نصح حسان صالحا بالعودة إلى بلاده نفزة وسط الريف لنشر الإسلام، و قطع الطريق على ولاة بني امية الذين يعيثون فسادا في كل أرض نزلوا بها بالشمال الافريقي ، معرضين إياها للغزو الفاحش، و السلب و النهب و الافساد .

لهذا كانت منطقة ممر تازة و شمالها المسلك المفضل للقوات القادمة من الشرق. و لا شك أن الثاني هو المعبر الذي سلكه موسى بن نصير في بداية القرن الثامن الميلادي للقيام بمهمتين : الانتقام من قبيلة اوربة التي اعتمد عليها كسيلة للقضاء على عقبة بن نافع ، بجر أبناء هذا الأخير للقيام بالمهمة المتمثلة في تخريب المدينة/ الحصن سكوما (سجوما) ، و سفك دماء ابناءها وفتح الطريق أمام موسى بن نصير لرفع حصيلة غنائمه . و الثانية تمثلت في توجهه نحو الشمال الغربي بعيدا عن سكوما للتوغل في بلاد صنهاجة بمحاذاة بلاد الريف صعبة الاقتحام ، تمهيدا لاقتحام أقصى الشمال الغربي ، حيث سيولي احد أبنائه فيما بعد حبا في السيطرة على المغرب، لإنجاز مهامه في السلب و النهب و السبي. دون شك كان هناك ممر يحاذي سفوح جبال " شوين " الجنوبية ، يشمل المنطقة هذه التي ستشهد ، بعد قرون ، بناء " ثامزييذا ن رقموذ" في العهد المريني .

ان الأبحاث تتطلب التنقيب الجاد و الدقيق . و قد تؤدي إلى اكتشاف ما هو أهم ، علما ان المنطقة تبقى عذراء في مجالات الأبحاث الأريولوجية و التاريخية ، و حتى المعدنية ...إلخ و ما وجود اثار مدينة قديمة ببلدة " الكوزات " بدائرة تايناست ، الى جانب مدينة قديمة جدا بسهل نكور ، وكذا الحصن / المدينة البعيد في اتجاه الغرب شمال فاس إلا ادلة على اقتران اسم باكا بهذه الجهة ، بموقعها الاستراتيجي ...
البحث يجب أن ينصب على الربط بين باكا و الباكاوات ، و في نفس الوقت البحث عن كيفية تقلص قبيلة الباكاوات لتصبح " إبقوين " يقتصر أمرها على بقعة صغيرة لقبيلة ممتدة جوار الحسيمة من جهة الغرب.
" ازرو ن باكا " جبل يتموقع في انحناحن من جهة الجنوب ، غير بعيد شرقا عن " امعارضن " من تراب نفس الدوار . ارتفاعه عن سطح البحر يفوق 1400 م . للوصول إليه يمكن الانطلاق من مدرسة إنحناحن ، عبر " لعزيب " و تستغرق الرحلة بواسطة سيارة حوالي 30 دقيقة عبرطريق غير معبدة طبعا ، و هناك معبر ثان أقصر من الأول إلا أن وضعيته تجعل المرء يفضل الأول .
الجبل يقع جنوب مدرسة انحناحن بحوالي 3.50 كلم ، و يبعد عن مركز اجدير بحوالي 6.50كلم و عن مركز بورد بحوالي 8 كلم، أما عن مركز اكنول فتقدر المسافة ب 15 كلم . هذه المسافات احتسبت على شكل خط مستقيم ( مسار طيران عصفور ) .
" أزرو " لا تعني الحجر كيفما كان حجمه ، كما هي الدلالة اليوم ، بل الكلمة تعني " حائط من الأحجار " . و لو نظرنا من عل سنلاحظ امتدادا لحائط ( صف) صخري على طــول حوالي 600م . ثم ينحرف في اتجاه الجنوب الشرقي على مسافة حوالي 500 م . ليشكل الامتدادان حائطا صخريا على شكل هلال . و لا شك أن هذه التسمية تعود إلى الامازيغية القديمة و هذا ما نلمسه لدى الطوارق حسب " دوفوكو " . إذ تعني كلمة " ازرو " حائطا صخريا ، و ليس الحجر أو الصخرة ...
بمعنى أن الانسان وجد في هذه المنطقة منذ قرون بعيدة ، مادام أن الاسم يذكرنا بلغة أمازيغية ضاربة في القدم . و لم يكن الأمر عبثا أن تقترن التسمية بشخصية تاريخية كان لها ثقل لدى قبائل تلك الفترة ، لا سيما و ان باكا هو أول ملك نصب على عرش موريطانيا الطنجية من لدن هذه القبائل دون شك .

و كما عبر احد أهالي المنطقة ، فموقع " ازرو ن باكا " بعلوه يسمح بمشاهدة مناطق عديدة ، مثل تايناست في قبيلة لبرانس في اتجاه الجنوب ، و مواقع من مدشر ملال ، و مدشر تاسليوين ، و يمكن رؤية أحيانا حتى جبل بويبلان بالاطلس المتوسط . الجبل تحيط به غابات معتبرة إلى جانب بعض المنازل للساكنة المحلية.

و تكاد التسمية لا تخرج عن نطاق التقارب في الالفاظ . لكن الأمر هذا يتضاءل أمام ما توحي به الاحداث التاريخية منذ القرن الثالث قبل الميلاد ، و إلى أن تظهر قبيلة باسم " ابقوين " منعزلة على شاطئ البحر تأصلت مع ظهور امارة نكور بداية القرن الثامن (م) .إذن ، كيف نتتبع هذه التسمية انطلاقا ، و كما سبق ، من الاسم " باكا " الذي يحمله اول ملك أمازيغي على موريطانيا الطنجية ، و الذي كانت الاملاءات السياسية و العسكرية قبل دخول الرومان بأكثر من قرنين إلى المغرب الحالي ، من فرض تواجده بالريف الحالي و مقدمة الريف للتواصل عن كثب بنوميديا في شطريها الشرقي و الغربي ، و في نفس الوقت التحكم عن قرب بسائر ربوع المملكة الممتدة جنوبا إلى سوس ،و شمالا إلى تطوان و طنجة ؟ و لا غرابة أن نجد ما يجيز لنا أن نقول أن إطلاق " باكا " على الجبل هذا يدل عن حلوله بهذه المناطق التي تتوسط الريف ، و التي كانت تفرض بقاءه على اتصال بساحل المتوسط ، عبر مدينة نكور ، و جنوبا بممر تازة . هذان الممران الضروريان للتواصل برا و بحرا مع الشرق و الغرب . و لا شك ان الباكوات قد ورثوا استراتيجية هذين المعبرين عن الملك " باكا " الذي نفترضه جدهم ، و يحملون اسمه ، كما سيحمل النفزاويون فيما بعد بنفس المناطق بعد بضعة بضعة قرون اسم جدهم " نفزاو " .

و أشهر ما أرخ لقوة الباكوات في الحروب مع الرومان هي النقائش الكثيرة التي عثر عليها بمدينة وليلي الأثرية ، هذه النقائش 14 ماهي إلا معاهدات سلام بين حكام الرومان بالمدينة و أمراء الباكوات . و كما تقلصت القبائل الكبرى المشهورة في تاريخ المغرب القديم ، و أصبحت تشغل مساحات ضيقة رغم انتشارها قديما على مساحات شاسعة كقبائل مكناسة البرانس مرنيسة ، أ وربة ... إلخ ، كذلك الأمر بالنسبة للباكوات التي انحسر مجالها الجغرافي في الرقعة الغربية على شاطئ البحر المتوسط ، المحاذية للحسيمة و أصبحت تسميتها اليوم و منذ قرون مضت " ابقوين " .

و ختاما ، لا بد من الإشارة إلى أن المنطقة هذه التي يتخللها جبل " أزرو ن باكا " ستبرز أهميتها الاستراتيجية بشكل خافت أواسط الخمسينات من القرن العشرين ، حين انطلق هجوم جيش التحرير في بورد يوم 2 أكتوبر 1955، حيث ستجد الفرقة الكبيرة التي اختبأت في تلك الصبيحة وسط غابة البلوطة ، نفسها مضطرة للانسحاب خفية و في هدوء عبر غابة مرتفع " ثارا أومرار" جنوب " لعزيب " مرورا ب " إمعارضن " في اتجاه الشرق بمحاذاة جبل " ازرو ن باكا " ، الى جوار غابة " ثارا أوذمام " عبر جنبات مرتفع " اذوز " ووادي " الزعمران " للاستقرار لمدة يومين في المرتفعات المطلة على اجدير للاعتبارات الاتية :
1- إيجاد ملاذ مؤقت للمقاتلين
2- البحث عن وسيلة لتوفير التغذية . و هذا ما نجح فيه المقاتلون .
3- اعداد خطة حربية جديدة تمثلت في :
أ‌- التفكير في هدم قنطرتي " ثاراثازكاخت " و " أجدير "
ب‌- إيجاد معبر امن للوصول إلى الضفة الشمالية لكسر شوكة الحصار المفروض من كل الجهات .
ج- اختبار تحرك القوات الفرنسية في الميدان للرد عليها بالشكل المناسب مع الاستعانة بالساكنة المحلية على الأقل في جوانب الاستخبار .

لا أعتقد أن قطع هذه المسافة الطويلة من الغرب إلى الشرق جاء صدفة ، بل له امتداد ما عبر تحرك الساكنة في ظروف خاصة لها ارتباط بأحوالهم عبر الأزمان السحيقة إن على صعيد معيشهم أو علاقتهم بالجوار أو بالأحداث الكبرى.