في صباح بارد تتساقط فيه الأمطار وأنا أجلس قرب الكانون في بيت بسيط أحتسي قهوة ساخنة عاد السؤال نفسه بإلحاح إلى الذهن ماذا تحقق لأكزناية ودواويرها من وعود التنمية؟
ولماذا ما تزال دواوير مثل بوحدود وأغننو والقسيل وغيرها تعيش واقعا صعبا يطبعه ضعف البنيات الأساسية وصعوبة الولوج إلى الخدمات وتراجع شروط العيش الكريم رغم تعاقب المجالس والبرامج والخطاباتإن هذا الوضع لم يعد قابلا للتفسير بعوامل طبيعية أو إكراهات ظرفية بل أصبح يعكس بشكل واضح خللا عميقا في آليات التدبير والتمثيل فالعزلة المجالية التي تعانيها المنطقة ليست قدرا بل نتيجة مباشرة لغياب إرادة حقيقية قادرة على تحويل حاجيات الساكنة إلى ملفات ذات أولوية في دوائر القرار ونتيجة لضعف الترافع عن قضايا المجال في المستويات التي يفترض أن يُسمع فيها صوت أكزناية بوضوح.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو أين هو هذا الصوت ومن يحمل فعلا هموم الدواوير وينقلها بجدية إلى المؤسسات المعنية وأين هم من يفترض فيهم الدفاع عن حق المنطقة في الطرق والصحة والتعليم وفك العزلة فالحضور الشكلي لا يصنع تنمية والتمثيل الذي لا ينتج أثرا ملموسا يظل تمثيلا ناقصا لا يرقى إلى حجم انتظارات الساكنة.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال التراجع المقلق للفعل الجمعوي الذي كان من المفترض أن يشكل قوة اقتراح وضغط إيجابي فالمجتمع المدني المحلي يعاني ضعفا في التأطير والدعم وتضييقا غير مباشر على استقلاليته مما يجعل الكثير من المبادرات تنطفئ في بداياتها أو يتم احتواؤها وتفريغها من مضمونها فيفقد العمل الجماعي روحه وقدرته على التغيير.
كما أن غياب النخب المثقفة عن لعب دورها الطبيعي في التأطير وفتح النقاش العمومي يساهم في تعميق هذا الفراغ حيث يتم ترك المجال لخطاب انتخابي موسمي يعيد إنتاج نفس الوعود دون مساءلة حقيقية ودون ربط القول بالفعل وهو ما يعزز الإحباط ويغذي فقدان الثقة خاصة لدى الشباب.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية تتكرر نفس السيناريوهات حيث تتحول الهشاشة الاجتماعية إلى ورقة للاستغلال ويتم توظيف الانقسامات وإضعاف أي مبادرة مستقلة قد تزعج توازنات قائمة لا تخدم مصلحة المنطقة بقدر ما تحافظ على واقع الجمود وكأن المطلوب هو تدبير العزلة لا إنهاؤها.
إن ما تعيشه أكزناية اليوم لم يعد يحتمل مزيدا من الصمت أو الانتظار بل يستدعي يقظة جماعية ونفسا نضاليا مسؤولا يطالب بحق المنطقة في تمثيلية حقيقية وترافع جاد وتنمية ملموسة فالمسؤولية لا تقاس بعدد السنوات ولا بعدد الشعارات بل بقدرة الفاعلين على انتزاع المشاريع والدفاع عن الملفات ومحاسبة أنفسهم أمام الساكنة.
إن استعادة الأمل في أكزناية تمر عبر إعادة الاعتبار للفعل المدني المستقل وبناء وعي جماعي يميز بين الخطاب والإنجاز ويشجع المشاركة الواعية ويربط المسؤولية بالمحاسبة ويفتح نقاشا صريحا حول من يستحق ثقة الساكنة ومن يملك القدرة والإرادة على حمل قضاياها والدفاع عنها بما يضع المنطقة أخيرا على طريق تنمية عادلة ومتوازنة تليق بكرامة أهلها.
