الأحد، 18 أكتوبر 2026

رجالات اگزناية عبر التاريخ (36) | البطل أحمد بن محمد تهراست (أول شهيد بمنطقة اكزناية)


نجيم السبع

البطل أحمد بن محمد تهراست الخولاني (1920-1955) - سيرة شهيد صنع فجر الاستقلال من قلب مثلث الموت.

إعداد: كزناية ميديا - بحث وتوثيق تصحيح تاريخي ضروري:

يتم تداول صورة قديمة في مواقع التواصل باسم "محمد بن أهراس - أول شهيد في كزناية"، وهو خطأ وقع فيه الأرشيف الشعبي بسبب تشابه الأسماء.

الاسم الحقيقي والموثق لدى المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير هو البطل أحمد بن محمد تهراست الخولاني، قائد الفرقة 50 بجيش التحرير المغربي، شهيد معركة بورد ليلة 02 أكتوبر 1955.

هذا المقال هو إنصاف لتاريخه.


الفصل الأول:

 من هو أحمد تهراست؟

ولد أحمد بن محمد تهراست في أوائل عشرينيات القرن الماضي في قبيلة بني خولان (ايخوانن) الممتدة بين أكنول وبورد، في سفوح الريف الشرقي، المنطقة كانت تسمى إداريا كزناية، وهي اتحاد قبلي أمازيغي يضم بني خولان، بني بويعلى، تيزي وسلي، بورد..لم يدخل المدرسة الفرنسية.. تربى كما تربى كل أبناء الجبل على الرعي والفلاحة وحمل البندقية، لكنه كان مختلفا: كان يحفظ القرآن في مسجد القرية، وكان يتردد على سوق أكنول الأسبوعي حيث كان يستمع إلى قصص المقاومين القدامى ضد الإسبان في معركة أنوال 1921.

في سنة 1948، بعد عودة بعض العمال المغاربة من فرنسا، بدأ يتشبع بأفكار الحركة الوطنية. انضم أولا إلى خلية سرية لحزب الاستقلال في تازة، لكنه سرعان ما اقتنع أن العمل السياسي وحده لا يكفي. فالتحق سنة 1953، بعد نفي محمد الخامس، بالتنظيم المسلح السري الذي كان يشرف عليه في الشمال عبد العزيز الدويري ومحمد بن الحسن أفيلال.كان يتميز بثلاث صفات جعلت قيادة جيش التحرير تختاره قائدا:الكتمان الشديد: لا يتكلم أبدا عن العمليات حتى مع أقرب أهله.معرفة التضاريس: كان يعرف كل الشعاب والكهوف بين بورد وتيزي وسلي وأكنول، وهي المنطقة التي سيسميها الفرنسيون لاحقا مثلث الموت.الشجاعة الميدانية: لم يكن قائدا من بعيد، كان أول من يدخل وأخر من يخرج.

الفصل الثاني:

مثلث الموت.. لماذا اختيرت كزناية لانطلاق جيش التحرير؟

لفهم معركة بورد، يجب فهم المصطلح الذي أطلقته المخابرات الفرنسية سنة 1955: Triangle de la Mort.هذا المثلث هو:الرأس الشمالي: أكنولالرأس الجنوبي: بوردالرأس الغربي: تيزي وسليلماذا كان مثلث موت بالنسبة لفرنسا؟

أولا، جغرافيا: جبال وعرة، غابات كثيفة، وديان سحيقة. لا يمكن للشاحنات العسكرية أن تدخله. وحتى الطائرات كانت تفشل في قصفه بسبب الضباب.

ثانيا، بشريا: سكان كزناية أمازيغ، حافظوا على بنيتهم القبلية، ورفضوا الاندماج مع الإدارة الفرنسية. لم يكن فيها قائد موالي لفرنسا مثل الكلاوي في مراكش.

ثالثا، استراتيجيا: قريبة جدا من المنطقة الخليفية (الإسبانية) في الناظور. وكان السلاح يأتي من الناظور عبر مرموشة إلى كزناية، بتمويل من مصر والجزائر. مصر الناصرية كانت قد فتحت مخزنا سريا في وجدة سنة 1954 بقيادة عبد المنعم النجار.لذلك، قررت القيادة الوطنية في اجتماع سري في الدار البيضاء يوم 10 شتنبر 1955، حضره عباس المساعدي ومحمد الخطيب، أن تكون انطلاقة جيش التحرير من هذا المثلث، في ليلة واحدة في كل الشمال، لإرباك الفرنسيين.

الفصل الثالث:

الفرقة 50.. جيش حافي القدمين بسلاح بسيط

 الفرقة 50 التي كان يقودها أحمد تهراست لم تكن فرقة نظامية. كانت تتكون من 48 إلى 52 مجاهدا فقط، مسلحين بـ:12 بندقية من نوع ماوزر ألمانية من مخلفات الحرب العالمية الثانية، اشتريت من السوق السوداء في مليلية.8 بنادق ليبيل فرنسية مسروقة من ثكنات تازة.بنادق صيد تقليدية (بوشفرة).قنابل يدوية محلية الصنع مصنوعة من علب السردين والبارود.3 مسدسات فقط.مقابلهم، كان مركز بورد يضم:25 جندي فرنسي وسنغالي12 حركي (مغاربة مجندون مع فرنسا)مدفع رشاش 24/29جهاز راديو للاتصال بتازةمخزن سلاح وذخيرةالخطة التي وضعها أحمد تهراست كانت ذكية جدا: الهجوم في الثانية بعد منتصف ليل 2 أكتوبر، بعد قطع أسلاك الهاتف في واد بورد، وإشعال النار في جسر بورد لمنع وصول النجدة من تازة.

الفصل الرابع:

ليلة 2 أكتوبر 1955.. ساعة بساعة

23:30: تجمعت الفرقة 50 في غابة تيزران قرب بورد. صلى أحمد تهراست بجنوده، وقرأ سورة الفتح، وقال جملته الشهيرة التي نقلها عنه رفيقه الحسين بوعزة: "الليلة إما نصر وإما شهادة، ومافيهاش الرجوع".

00:15: تم قطع سلك الهاتف بين بورد وتازة بواسطة محمد أوعقا مغيس، القائد الثاني.

00:45: بدأ الهجوم. قسم الفرقة إلى ثلاث مجموعات:مجموعة بقيادة أحمد تهراست تهاجم الباب الرئيسي.مجموعة ثانية بقيادة أحمد أولاد ترمي القنابل على الثكنة.مجموعة ثالثة تقطع الطريق إلى أكنول.

01:10: فوجئ الفرنسيون. حسب تقرير عسكري فرنسي مؤرخ في 3 أكتوبر 1955 (محفوظ في أرشيف الرباط)، كتب القائد الفرنسي: "هوجمنا من طرف عصابة قوية منظمة تطلق صيحات الله أكبر".

01:40: تمكن المجاهدون من اقتحام مخزن السلاح. وهنا، وأثناء محاولته حمل صندوق ذخيرة لإخراجه، أصيب أحمد تهراست برصاصة مباشرة من برج المراقبة في صدره. سقط على الفور.رفاقه حاولوا حمله، لكنه قال لهم: "خليوني، وكملو المعركة، وديو السلاح للجبل". استشهد هناك.

02:30: انتهت المعركة بانتصار كاسح. تم تدمير المركز، وقتل 8 جنود فرنسيين، وغنم 21 بندقية و 3 صناديق ذخيرة. وانسحب المجاهدون إلى جبال تيزي وسلي حاملين جثمان قائدهم.في نفس التوقيت، على بعد 5 كلم، كان مغيس محمد أوعقا يستشهد أثناء مهاجمته لمنزل الكومندار الفرنسي في بورد نفسه، بعد أن قتل الحارس واقتحم المنزل.

الفصل الخامس:

ما بعد الاستشهاد.. كيف عجل بعودة الملك؟ 

استشهاد أحمد تهراست لم يكن مجرد خسارة. كان له مفعول سياسي هائل.في باريس، تلقى وزير الخارجية إدغار فور تقريرا عاجلا صباح 3 أكتوبر: "انتفاضة مسلحة منظمة في الريف، وليست أعمال قطاع طرق". فقرر تسريع المفاوضات.يوم 6 أكتوبر، تم نقل بن عرفة (السلطان الدمية الذي نصبه الفرنسيون) من فاس إلى طنجة.يوم 30 أكتوبر، أقلعت طائرة من فرنسا إلى أنتسيرابي بمدغشقر لإعادة محمد الخامس.يوم 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى الرباط، أي بعد 45 يوما فقط من معركة بورد التي قادها واستشهد فيها أحمد تهراست.هذا يعني أن دم أحمد تهراست كان من بين الدماء التي عجلت بعودة الملك والاستقلال.

الفصل السادس:

 لماذا نسي؟

واجب الإنصاف رغم كل هذا، بقي اسم أحمد تهراست منسيا في الكتب المدرسية. لماذا؟ لأن جيش التحرير في الشمال تم تهميشه سياسيا بعد الاستقلال لصالح جيش التحرير في الجنوب.لأن منطقة كزناية بقيت مهمشة تنمويا، ولم يتم بناء متحف أو نصب يخلد شهداءها. لأن الخطأ في الاسم "محمد بن أهراس" جعل الباحثين لا يجدون أرشيفه الحقيقي باسم "أحمد تهراست".اليوم، المندوبية السامية لقدماء المقاومين تعترف به رسميا كشهيد، ورقم ملفه هو ش/54/بورد، وعائلته في بورد ما زالت تحتفظ ببندقيته.

خاتمة:

رسالة إلى شباب كزناية يا شباب كزناية، عندما تمرون بمركز بورد، تذكروا أن هناك، في تلك الأرض، سقط رجل في عمركم، لم يكن يملك لا فيلا ولا سيارة، كان يملك بندقية صدئة وإيمانا بأن المغرب يجب أن يكون حرا.

أحمد بن محمد تهراست الخولاني لم يمت من أجل أن نضع صورته في إطار خشبي ونكتب عليها اسما خاطئا. مات من أجل أن نعيش بكرامة، وأن لا ننسى أن الحرية ثمنها دم.

رحم الله البطل أحمد تهراست،  وكل شهداء ملحمة 02 أكتوبر 1955.




المصادر:

- المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير
- ملفات شهداء انتفاضة 02 أكتوبر 1955
- كتاب "مثلث الموت" لعبد العزيز الدويري (مذكرات غير منشورة) 
- تقرير عسكري فرنسي مؤرخ 3 أكتوبر 1955
- أرشيف تازة
- شهادات حية لعائلة الشهيد في بورد (تواصل خاص مع كزناية ميديا 2024) - مقال هسبريس: من ملاحم الكفاح الوطني بتازة